07/09/2010 - 04:39:47 م

الشاعر والناشر جوناثان غالاسي يتحدث عن أرق الكتاب ومتعتة

الشاعر والناشر جوناثان غالاسي يتحدث عن أرق الكتاب ومتعتة

حوار: جوفي فيرّاي- أدلر ترجمة: بشار عبدالله

-
û لا أريد إزعاجك بأسئلة عن الطفولة لكن حب الفضول عندي يدفعني لسؤال مفاده إن كان هناك أي كتاب بعينه كان له أثر بالغ عليك في نشأتك الأولي.
ــ اعتدت أن أذهب إلي مكتبة صغيرة في البلدة التي عشت فيها بولاية ماسوشيتس وأقرأ بنهم. كنت أقرأ أي شيء. كما كنت في نادي كتاب ويكلي ريدر للأطفال وأذكر شغفي بكتابي (الريح عبر الصفصاف) و(جوني تريمين) وكتب أخري مماثلة. كانت جدتي أيضا قارئة نهمة، تعيش في بوسطن وكانت عندما تأتينا تجلب معها كتبا من مثل (اليكساندر كوارتيت) أو (الخريف) أو (ممر إلي الهند). أتذكر قصص الحب والغرابة التي تطبع ذلك النوع من الكتب. أتذكر أيضا ما كانت تشبه تلك الكتب وكيف هو الشعور في أثناء قراءتها. أخيرا انتهي المطاف بكتب جدي وجدتي كلها في منزلنا، وهكذا كنت أمام العديد من الكتب القديمة. لم يكن الأمر أن أجلس وأقرأها جميعا. بل بالأحري كنت استغرق في قراءتها وأشعر ببنياتها. كان جدي إيطاليا، وهكذا كان هناك العديد من الكتب التي تتحدث عن ايطاليا، وكنت أستغرق في قراءتها وأتفرس الصور التي تخص مختلف الأمكنة. كنت فعلا هدفا تتشربه الكتب وكان ذلك يمثل لي سبيلا للهرب وسبيلا آخر للهرب إلي بواطنها.

مشاعر القرون الوسطي
تأسيساً علي ذلك يمتلك الحوار مع جوناثان غالاسي مواصفات أدبية لها علاقة بالكتاب بعد أن تكتمل مسوداته، كذلك سألناه:
û ألم يكن ثمة كتاب بعينه غيّر اتجاهك في الحياة؟
ــ لا أعتقد أن في الامكان تحديد كتاب واحد بعينه. لكنني كنت مولعا بالكتب والمطالعة. ولم أكن هاويا البتة. كانت عندي بصيرة ثاقبة. كنت طفلا غريب الأطوار وأتمتع بنبوغ مبكر. أتذكر أنني قرأت رواية (الكونت مونت كريستو) في أثناء إصابتي بالنكاف أو شيء من ذلك ثم وجدتني أغرق في قصة الحب التي تعالجها الرواية. أحببت القصص التي تحمل مشاعر القرون الوسطي أو المشاعر الغريبة. كما أحببت كتاب (المحارب الذهبي) وكتبا أخري عن العالم القديم. أحببت تلك الأشياء كلها. ثم انتسبت للمرسة عندما بلغت الثالثة عشر من العمر فإذا بي أجد اهتماما بالغا في اللغات والشعر. وفي الكلية صرت أهتم بكل ما أهتم به الآن. من تلك النقطة بدأت الكتابة والتحرير.. فقد سبق أن عملت محررا لمجلة أدبية في المدرسة. أتذكر تجربة العمل مع أصدقائي علي كتاباتهم وكيف كنت مستمتعا لأنني أفعل ذلك، وكم كانت ذات فائدة، حتي أكثر من كتاباتي نفسها. كنت أشعر بارتباط حقيقي معهم، وبنشاط راسخ. تلك كانت تجربة مهمة. أتذكر ان أعز أصدقائي، الذي لم يكن من المهتمين بكتابة الأدب اهتماما جديا، بل كان أضحوكة حقيقية، كتب قصة قصيرة انتهي بها المطاف لتكون أفضل قصة نشرت في مجلة المدرسة في ذلك الوقت. لقد عصفني التكثيف في تلك القصة وقوتها. وشعرت بنوع غريب من الإثارة كوني كنت حاضرا عند ولادة عمل لشخص آخر.
û هل تعتقد أن عملك بوصفك شاعرا ومترجما يسهم في تعزيز عملك محررا وناشرا؟
ــ كل ذلك كان علي الدوام ثانويا مقارنة بعملي محررا. أعني، ربما لم يكن ثانويا في أعماقي، لكنني عندما بدأت العمل في النشر، قررت أن أضع للتحرير الأولوية. ولم أندم البتة علي ذلك. بل أظن أن تلك الأشياء كالشعر والترجمة والتحرير تتدفق في بعضها البعض وتخرج من بعضها البعض.
ـ عندما بدأت بالكتابة لم يكن لدي ما يكفي من الثقة بقدراتي، لكنني أعتقد أنني مع الوقت أصبحت أكثر ارتياحا ازاء ما يمكنني عمله بوصفي كاتبا. وقد تأتي لي ذلك من عملي في ميدان الترجمة. كنت أترجم للشاعر الايطالي والمترجم والمحرر والكاتب مونتال، وكان ينتابني سرور عميق في عملي ذاك علي مر سنوات وسنوات. وقد علمني ذلك أمورا عدة حول الكتابة. كما أن من الواضح أنني تعلمت الكثير من أعمال كتّاب علي مر السنوات. لكنني أبدا لم أشعر- وهذا هو الأهم- بتلك الازدواجية كوني ناشرا في مقابل كوني كاتبا.
û ولكن هل ثمة مفصل ما في تجربتك شاعرا و مترجما أسهم في تكوين خبرتك في العمل محررا؟

التناضح أو التنافذ
ــ ربما لا أفكر بالمؤلفين علي أنهم حيوانات مختلفة. بل يمكنني أن أمنح المؤلفين اتجاها واقعيا بشأن ما يمكن انجازه في العالم من خلال أعمالهم. إذن أنا لا أحب أن أضع نفسي علي نقطة واحدة مع الكتّاب الذي أعمل معهم، ولكن طالما نني أعي ما يجب كتابته، فأعتقد أن في مقدوري اعتناق رغباتهم وإحباطاتهم أيضا. نعم هناك ناشرون يعتقدون ان العمل الأدبي شيء يمنحهم الحق في قولبته، أنا شخصيا لا أفكر بهذه الطريقة علي الإطلاق. في عملي محررا لا أريد أن أنقل انطباعا بأنني كاتب وناشر في الوقت نفسه. وكقاعدة عامة أنا لا أتحدث عن كتاباتي مع المؤلفين الذين أحرر أعمالهم ، حتي تنتهي عملية التحرير والنشر. لأنني إنما أنا هنا أعمل من أجلهم هم.
û وهل درّست نفسك بنفسك كيفية التحرير؟
ــ أظن ذلك. كان عملي الأول محرر متدربا في قسم تحرير مؤسسة هاوتن ميفلين في ولاية بوسطن في العام 1973 . في ذلك القسم يتركون المحرر المتدرب في المواجهة. لا أحد يجلس قربك ليعلمك كيف تعمل. أعتقد أن عليك تعليم نفسك بنفسك من خلال مراقبة الذين حولك وهم يعملون مع المؤلفين، وتنضج الخبرة إلي حد ما بما نسميه التناضح أو التنافذ. هناك مختلف الأساليب في التحرير، أيضا. إنه التدريب أولا. وهناك محاضرات في التحرير يمكنك أن تتعلم منها آليات لعمل، مثل محاضرات رادكليف، ولكنني لا أعتقد أنها تعلمك كيف تحرر. فالتحرير إلي حد كبير جهد ذاتي.
ـأنت تنظر إلي النص وتسأل نفسك كيف يمكن تعديله. شخصيا لفت انتباهي أمر مهم هو أنك عندما تكون محررا، فإنك تصبح متوترا في العمل. وما أن تمضي السنوات، حتي تتآلف معه وتسرتخي قليلا. مرة أخري وأخري علي الإيمان بأن العمل الذي أحرره إنما هو ملك لمؤلفه. فأنت تعطي المؤلف أفكارك وهو حر في قبولها أو رفضها وهو حر أيضا في تقرير ما يفعل. في ذات مرة سخر مني (جوناثان) فرانزن بشأن ذلك. فهو لم يأخذ بمقترح اقترحته عليه وقال لي: (حسنا، إنه كتابك) في إشارة منه فيها تهكم. (يضحك). ولكنني أري أن ذلك ما أؤمن به حقا. أؤمن به حتي في الشعر. فالنصوص شخصية جدا بمعني تعود بالتالي لكتّابها. نعم هناك أوقات أجد نفسي أعمل مع شعراء لتحرير أعمالهم، ولكن عادة ما تكون والحالة هذه أمام خيارين إما أن تؤمن باطنيا بما يفعلونه أو لا تؤمن. فإن لم تكن مؤمنا فإن عليك ألا تعمل معهم، وإذا عملت معهم، فستدرك أنهم يعون ما يفعلون.
ــ تري ما كانت أصعب الدروس أمامك وأنت لما تزل محررا في بداياتك؟
ــ أحد أصعب الدروس التي تعلمتها في الواقع هو تحوّل النشر إلي مغامرة تجارية بالغة الخطورة- فكيف يمكنك أن تحب شيئا ما وتبذل من أجله قصاري جهدك، ثم بعد ذلك تخفق في ربطه بجمهور ما من القراء. ستسأل نفسك ربما أخطأت أنت في الحكم عليه. ربما لم تقع علي تحديد الانتقالات الحقيقية في النص. أحد أصعب الدروس أيضا هو كيفية التعامل وإدراك أهمية هذه الانتقالات. في النشر هناك حظ يلعب دورا، تماما كما هي الحال في أي نشاط إنساني. فإذا لم تحظ بحسن طالع- كأن يكتب ميتشي (ميتشيكو كاكوتاني محرر النيويورك تايمز مثلا) عرضا غير مفهوم للعمل، أو إن أنت لم تحظ بعروض مناسبة في الصحف، أو إن كانت الكتب غير متوفرة في المخازن عند ظهور العروض عنها، أو مهما كان السبب- فلن يتحقق الهدف المنشود. ذلك واحد من أصعب الدروس: كم هو أمر صعب في الواقع أن تكون فاعلا.

اليزابيث بيشوب
هناك درس آخر في غاية الصعوبة لمحرر مبتدئ، هو أن كل كتاب يمثل طفلا كما لو أنه من صلبه. أتذكر رغبتي الشديدة في نشر كتاب بيتر شييلادهل حول السيرة الذاتية لفرانك أوهارا. لكنني أضعته إذ انتقل إلي محرر آخر دفع للكاتب مبلغا أكبر، وقد أصبت بالاكتئاب لشهور جراء ذلك الفقدان. أردت أن أصب نفسي صبا في عالم ذلك المشروع، وقد استغرقني ذلك الشعور بالرغبة في العمل عليه زمنا طويلا- وهو شعور يعيش عليه الناشرون من أجل أن ينالوا نوعا من الاسترخاء. أنا شخصيا أري اليوم المحررين الشباب العاملين معي يعيشون هذا الشعور وأنا أعززه فيهم. ولكن لا بد أن تتعلم كيف تترك الأمور تأخذ مجاريها. كان ذلك بالنسبة لي درسا مؤلما للغاية.
لكنني في شبابي كنت أبجل الكتابة تبجيلا. كانت اليزابيث بيشوب مدرستي في الجامعة- وكانت لي المفضلة، وكنت أبجل عملها، كما أحببتها شخصيا حبا شديدا- أتذكر أنني كنت أصاب بوعكة صحية جسدية عندما تدعونا إلي العشاء، جراء مزيج من المشاعر: الخوف مع القلق مع شعور بالتفاهة. كان ذلك المزيج يوغل فيّ ويهدّ قواي الجسدية. كان ذلك مؤلما للغاية. لا أدري إن كان ذلك درسا أيضا لكنه يقينا كان شيئا ما تنصب فيه شدة التوقير التي تغمرني.
û ـ كيف انتهي المطاف بك إلي نيويورك؟
ــ كانت البداية عام 1973 في بوسطن، لكنني انتقلت إلي نيويورك بعد سنتين أي في العام 1975. كنت فعلا أريد أن أكون في نيويورك. بعد تخرجي من الجامعة سافرت إلي انكلترا وأمضيت سنتين علي سبيل الزمالة. كنت في كامبردج، لكنني أمضيت معظم وقتي في لندن، واكتشفت حقيقة رغبتي في الإقامة في إحدي العواصم. لذلك جئت إلي هنا.
ولكنني كنت شابا يافعا وعلي عجلة من أمري وأخيرا عرضت علي وظيفة في مؤسسة (راندوم هاوز). كان جيسن ايبشتاين هو الذي استأجرني. ولم تسر الأمور علي ما يرام. لأسباب عدة، وكان بعض تلك الأسباب تعود لخطأ مني. فقد كان جيسن يعتمد منهج اغطس وأسبح، وهو منهج ممتاز، لكنه كان مهتما أيضا وبشكل متعب بما يفعله الآخرون. وكنت معتادا آنذاك أن أكون الشاب الذي يفعل ما يريد. بيد أنني لم أعد ذلك الشاب هناك، وكنت أمام منافسة داخلية ومع ذلك لم تكن استجابتي لتلك المنافسة فاعلة. لذلك لم يكن عملي بالمستوي المرتجي.
û وماذا تعلمت من سنوات العمل في (راندوم هاوز)؟
ــ تعلمت الكثير. ولكن ليس كل ما تعلمته كان يلائمني. تعلمت الكثير عن التنافس وكيف تسير الحياة الأدبية، لأن مؤسسة هاوتن ميفلين كانت قريبة مني بعض الشيء. كما كان لمؤسسة راندوم هاوز بريق خاص وهو ليس بريقي أنا، حتي وإن كانت جهة نشر غاية في النشاط والفاعلية. ذلك أنني وجدتها دار نشر يمكن أن أطلق عليها صفة (أفضل دار نشر ولود). فهذه الدار يمكنها أن تنشر لكتّاب مثل جيرترود شتاين، وفوكنر، و أونيل، ولكن ذلك لا يمنعها من نشر الكثير من الكتب التجارية.
بعض الدروس الأخري التي تعلمتها لم تكن دروسا ناجعة. فالمؤسسة بدءا ليست مكانا وديا، بل تجد العاملين فيها لا يتمني أحدهم الخير للآخر، وهذا ما لم أعتد عليه. ولكن من جهة أخري إذا عدنا الان في الذاكرة نجدها مكانا صعبا وكان علي أن استجيب له بأشكال مختلفة. أعتقد أنني نضجت خلال تلك السنوات.





تصويت
الطريق لأعادة الأعتبار للكتاب العراقي؟
تبني طبعه من وزارة الثقافة
دعم الناشرين في القطاع الخاص
احياء دور الخبير في تحديد صلاحية النشر
دعم المؤلفين من قبل الحكومة ومؤسساتها
المشكلة عربية ودولية بسبب هيمنة وسائل الأعلام



Send email